أحمد بن علي القلقشندي
206
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وهي القلعة الَّتي يضرب المثل بحصانتها ، ويطمئنّ [ أهل ] ( 1 ) الإسلام في إيداع أموالهم وأهلهم إلى أمانتها ، قد أطلَّت على الكواكب نزولا ، وجرّدت على منطقة بروجها من البروق نصولا ، وأتعبت الرياح لمّا حلَّقت إليها ، وأخافت الهلال حتّى وقف رقيبا عليها ؛ وفيها من جنودنا المؤيّدة من نزيدهم بها مددا ، وتطيب قلوبهم إذا خرجوا لجهاد أعداء اللَّه وخلَّوا لهم فيها مالا وولدا . وكانت النيابة بهذه القلعة المحروسة قد كادت تنطق بشكواها ، وتتظلَّم ممّن أساء صحبتها لمّا تولَّاها ، واقتضت آراؤنا العالية أن نزحزح ظلامه ، عن صباحها ، ونقوّض خيامه ، عما فرش على الفلك الشاهقة من بطاحها ؛ وفكَّرنا فيمن له بالقلاع المحروسة دربة لا يخفى عليه بها سلوك ، ولا يخاف معه على هذه الدّرّة الثمينة في سلوك ، ممّن حمد في دولتنا الشريفة مساء صباح ، ومن كان في أبوابنا العالية هو الفتّاح ، ومن له همّة تناط بالثّريّا مطالبها ، وعزمة ما القضاء إلا قواضبها ، ومعرفة ما الرّمح المثقّف إلَّا تجاربها ، وكفاية ما الغرّ الزواهر إذا عدّدت إلَّا مناقبها . وكان المجلس الساميّ - أدام اللَّه عزّه - هو المحلَّق إلى هذه المرتبة ، والمخلَّق بالأصيل أرديتها المذهبة ، والمحقّق في صفاته الورع ، والمنزّه عن تدنيس طباعه بالطَّمع ، وله في الأمانة اليد المشكورة ، وفي الصّيانة ما يمتع به ذيول السّحاب المجرورة ، ومن التّقوى ما قرّب عليه المطالب البطيّة ، ومن الفروسيّة ما اتخذ كلّ ذروة صهوة وكلّ جبل مطيّة ، ومن الاستحقاق ما يسهّل له من صدقاتنا الشريفة صفد : وفي اللَّغة أنّ الصّفد هو العطيّة . فرسم بالأمر الشريف - شرّفه اللَّه وعظمه ، وأحكمه وحكَّمه - أن يرتّب في النيابة بقلعة صفد المحروسة : على عادة من تقدّم وقاعدته في التقرير ، وأمّا كيف يكون اعتماده ، فسنرشده منه بصبح منير .
--> ( 1 ) الزيادة يقتضيها السياق .